العيني
130
عمدة القاري
بأيهن بدأت ) ، ولكن يمكن أن يقال : الأولى البداءة بالتسبيح لأنه يتضمن نفي النقائص عن الله سبحانه وتعالى ، ثم التحميد لأنه يتضمن إثبات الكمال لله تعالى ، لأن جميع المحامد له ، ثم التكبير لأنه تعظيم ، ومن كان منزها عن النقائص ، ومستحقا لجميع المحامد يجب تعظيمه ، وذلك بالتكبير ، ثم يختم ذلك كله بالتهليل الدال على وحدانيته وانفراده تعالى وتقدس ، وقوله : ( تسبحون وتحمدون وتكبرون ) ثلاثة أفعال تنازعت في ظرف ، أعني ، قوله : ( خلف كل صلاة ) قوله : ( خلف كل صلاة ) وفي رواية للبخاري في الدعوات : ( دبر كل صلاة ) ، وفي حديث أبي ذر : ( إثر كل صلاة ) ، ويمكن أن يكون لفظ : ( دبر ) ، تفسيرا للفظ : ( خلف ) ، قوله : ( صلاة ) يشمل الفرض والنفل ، ولكن حمله أكثر العلماء على الفرض ، لأنه وقع في حديث كعب بن عجرة عند مسلم التقييد بالمكتوبة ، فكأنهم حملوا المطلق على المقيد . قوله : ( ثلاثا وثلاثين ) ، هذا اللفظ يحتمل أن يكون لمجموع هذا المقدار بحيث إنه يكون كل واحد منها أحد عشر ، وأن يكون كل واحد يبلغ هذا العدد فهو مجمل ، وتمام هذا الحديث مبين أن المقصود هو الثاني . قوله : ( فاختلفنا بيننا ) أي : في كل واحد ثلاثة وثلاثون ؟ أو المجموع ؟ أو أن تمام المائة بالتكبير ؟ أو بغيره ؟ فإن قلت : هذا الاختلاف وقع بين من ومن ؟ قلت : ظاهر العباراة أنه وقع بين الصحابة ، وأن القائل : ( فاختلفنا ) هو أبو هريرة ، وكذا الضمير في : ( رجعت ) يرجع إلى أبي هريرة ، والضمير في ( إلى ) يرجع إليه النبي صلى الله عليه وسلم ، ولكن بيّن مسلم في روايته عن ابن عجلان عن سمي أن القائل : ( فاختلفنا ) هو : سمي ، وأن الضمير في ( رجعت ) يرجع إليه ، والضمير في ( إليه ) يرجع إلى أبي صالح ، وأن المخالف له بعض أهله ، ولفظه : ( قال سمي : فحدثت بعض أهلي هذا الحديث ، فقال : وهمت ) . فذكر كلامه . قال : ( فرجعت إلى أبي صالح ) ، والذي ذكره مسلم أقرب ، لأن الأحاديث يفسر بعضها بعضا ، فلذلك اقتصر صاحب ( العمدة ) على هذا ، لكن مسلما لم يوصل هذه الزيادة ، فإنه أخرج الحديث : عن قتيبة عن الليث ابن عجلان ، ثم قال : زاد غير قتيبة في هذا الحديث عن الليث ، فذكرها . قيل : يحتمل أن يكون هذا الغير شعيب بن الليث ، فإن أبا عوانة أخرجه في ( مستخرجه ) : عن الربيع بن سليمان عن شعيب ، ويحتمل أن يكون سعيد بن أبي مريم ، فإن البيهقي أخرجه من طريق سعيد ؟ قلت : يحتمل أن يكون غيرهما ، وقد روى ابن حبان هذا الحديث من طريق المعتمر بن سليمان بالإسناد المذكور فلم يذكر . قوله : ( واختلفنا . . . ) إلى آخره . قوله : ( أربعا ) ، ويروى : ( أربعة ) ، وإذا كان المميز غير مذكور يجوز في العدد التذكير والتأنيث . قوله : ( منهن كلهن ) ، بكسر اللام ، لأنه تأكيد للضمير المجرور . قوله : ( ثلاث وثلاثون ) ، بالواو علامة الرفع ، وهو اسم : كان ، وفي رواية كريمة والأصيلي وأبي الوقت : ( ثلاثا وثلاثين ) ، على أنه خبر : كان ، واسمه محذوف ، والتقدير : حتى يكون العدد منهن كلهن ثلاثا وثلاثين . فإن قلت : ما الحكمة في تعيين هذا العدد ؟ أعني : ثلاثا وثلاثين ؟ قلت : هنا قد تعين هذا العدد ، وقد اختلفت الأعداد في الأحاديث الواردة في هذا الباب على وجوه مختلفة ، فورد فيه كونه ثلاثا وثلاثين ، كما في حديث أبي هريرة في هذا الباب ، وكونه خمسا وعشرين ، كما في حديث زيد بن ثابت ، رضي الله تعالى عنه ، أخرجه النسائي من رواية كثير بن أفلح عن زيد بن ثابت ، قال : ( أمروا أن يسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، ويحمدوا ثلاثا وثلاثين ، ويكبروا أربعا وثلاثين ، فأتي رجل من الأنصار في منامه ، قيل : أمركم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تسبحوا دبر كل صلاة ثلاثا وثلاثين ، وتحمدوا ثلاثا وثلاثين ، وتكبروا أربعا وثلاثين ؟ قال : نعم ، فاجعلوها خمسا وعشرين ، فاجعلوا فيها التهليل ، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فذكر ذلك له ، فقال : إجعلوها كذلك ) . وكونه إحدى عشرة ، كما في بعض طرق حديث ابن عمر ، وقد ذكرناه عن البزار ، وكونه عشرا كما في حديث أنس ، رضي الله تعالى عنه ، رواه الترمذي والنسائي من رواية عكرمة بن عمار عن إسحاق بن عبد الله ابن أبي طلحة : ( عن أنس بن مالك ، قال : جاءت أم سليم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا رسول الله ! علمني كلمات أدعو بهن في صلاتي . فقال : سبحي الله عشرا . واحمديه عشرا ، وكبريه عشرا ، ثم سلي حاجتك ، يقول : نعم نعم ) . رواه البزار وأبو يعلى في ( مسنديهما ) وفيه : نعم نعم نعم ، ثلاثا ، وكذلك